المرصد في الإعلام

“القنب الهندي” على طاولة الحكومة المغربية: قوننة أم توظيف سياسي؟

عادل نجدي

تتركَّز الأنظار بالمغرب، اليوم الخميس، على مجلس الوزراء، الذي سيرأسه رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، حيث من المُفترض أن يناقش مشروع قانون يتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، وذلك في سابقة في تاريخ البلاد.
وشكل إعلان الحكومة إدراج مشروع قانون الاستخدامات المشروعة للقنب الهندي، على جدول أعمال مجلسها الأسبوعي، مفاجأة كبيرة للكثير من المتابعين، وذلك بعد رفض قاطع من كل الحكومات المتعاقبة، على امتداد السنوات الماضية، للمطالب التي رفعتها جمعيات مدنية وأحزاب سياسية لقوننة زراعة النبتة المخدرة، واستخدامها لأغراض طبية وصناعية، بدعوى أن تلك النبتة محظورة وطنياً ودولياً، ولا يمكن التغاضي عن مخالفة القانون.

يرتقب أن يصدر مجلس الوزراء تقريراً حول قوننة “نبتة الكيف” لاستعمالات طبية وعلمية

وبينما تحيي خطوة الحكومة، مجدداً، السجال حول قوننة زراعة “الكيف” (التعبير المستخدم في المغرب للقنب الهندي)، يطرح توقيت التحرك المفاجئ علامات استفهام حول توقيته وإمكانية توظيفه سياسياً من قبل أطراف حزبية، وذلك على بعد أشهر قليلة من موعد الانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

والواقع أنها ليست المرة الأولى التي يطفو فيها النقاش حول قوننة القنب الهندي على سطح المشهد السياسي في المغرب، إذ قاد “الائتلاف المغربي من أجل الاستعمال الطبي والصناعي للكيف”، منذ بداية تأليفه في 2007، حملة من أجل وضع ما وصفها بسياسة عادلة وناجعة وبديلة عن المقاربة الأمنية السائدة في تدبير ملف زراعته واستغلاله، خاصة بالمناطق التاريخية لزراعته. كما أصدر في العام 2008 وثيقة بعنوان “دعوة لفتح نقاش حول قوننة زراعة القنب الهندي بالمغرب وتوجيه استعمالاته”. وفي 2013 عاد مطلب قوننة زراعة القنب الهندي، الذي رفعه الائتلاف، إلى الواجهة، بعدما تبناه حزبان كبيران هما “الاستقلال” و”الأصالة والمعاصرة”، واللذان أعدّا، للمرة الأولى، مقترحي قانون لكل منهما، يخص الأول قوننة الزراعة، بينما يتعلق الثاني بالعفو العام عن المزارعين الملاحقين قضائياً.

وخلال تلك المرحلة تم عقد العديد من اللقاءات للتعريف بمزايا قوننة هذا النشاط، وانعكاساته الإيجابية على المزارعين الصغار والدولة. لكن جذوة النقاش انطفأت شيئاً فشيئاً، وبقي المقترحان حبيسي رفوف البرلمان، إلى أن تم إغلاق الموضوع بشكل نهائي، بعد أن وجدا معارضة شرسة من رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران وحزبه “العدالة والتنمية”، بدعوى “خطورة تسرب أموال تجارة المخدرات إلى عالم السياسة، وتوظيف المال الحرام، لشراء أصوات الناخبين، وتهديد نزاهة العملية الانتخابية وصدقيتها”.

ويبدو لافتاً، أن طرح الحكومة مشروع القانون يأتي بالتزامن مع النقاش الواسع الذي قاده، خلال الأيام الماضية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (مؤسسة استشارية مستقلة يتمثل دورها في إجراء دراسات ومقترحات لصالح الحكومة ومجلسي البرلمان) حول هذا الموضوع، فيما يرتقب أن يصدر مجلس الوزراء تقريراً هو الأول من نوعه حول قوننة “نبتة الكيف” لاستعمالات طبية وعلمية، خلال الأيام المقبلة كما عاد القنب الهندي إلى واجهة النقاش في المغرب، مؤخراً، بعدما أثير من قبل باحثين وسياسيين في ورشة عمل أقامتها اللجنة الخاصة للنموذج التنموي في المملكة (لجنة رسمية استشارية عينها العاهل المغربي محمد السادس من أجل صياغة نموذج تنموي جديد للبلاد وتقليص الفوارق). كما أعاد تصويت لجنة المخدرات، التابعة للأمم المتحدة، في ديسمبر /كانون الأول 2020، على إعادة تصنيف نبتة القنب الهندي من فئة “الأكثر خطورة” إلى “الأقل خطورة” وفتح باب استعمالها الطبي، جدل قوننة زراعة هذه النبتة في المغرب إلى الواجهة، خاصة أنها المصدر الرئيس لعيش أكثر من 90 ألف أسرة في منطقة الريف شمال المملكة.

مضيان: مشروع القانون الذي جاءت به الحكومة خطوة طال انتظارها

وفي الوقت الذي يعول فيه مزارعو القنب الهندي على قوننة نشاطهم، وإخراجهم من الفقر وتجنيبهم سلسلة المطاردات والمتابعات القضائية، مقابل استفادة كبار الوسطاء والمهربين من تجارة هذه النبتة وتصديرها لأوروبا، اعتبر رئيس الكتلة النيابية لحزب “الاستقلال” المعارض، نور الدين مضيان، أن مشروع القانون الذي جاءت به الحكومة خطوة طال انتظارها بعد سنوات من المطالبة بقوننة زراعة واستعمال القنب الهندي، ومبادرة تُساير توجه حزبه، الذي كان سباقاً لتقديم اقتراح قانون بهذا الشأن في الولاية التشريعية السابقة. ووفق مضيان، وهو رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، فإن رفع لجنة مكافحة المخدرات في الأمم المتحدة الصفة الجرمية عن القنب الهندي يشكل مناسبة للدفع في اتجاه قوننة زراعته واستخدامه في المغرب، كما هو الحال في العديد من الدول، في صناعات طبية وشبه طبية وتجميلية. ودعا، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى ضرورة فتح نقاش مجتمعي موسع ومسؤول حول موضوع “الكيف”، يشارك فيه مختلف الأطراف، والفاعلين المعنيين إقليمياً، وجهوياً، ووطنياً، من أجل إيجاد حلول واقعية، وتدابير اقتصادية ناجعة، وإجراءات اجتماعية بديلة، وواقعية، ما من شأنه وضع حد لمعاناة الفلاحين، الذين وجدوا أنفسهم، تاريخياً، يعيشون من زراعة القنب الهندي، وفي حالة إطلاق سراح مؤقت جراء مطاردتهم من قبل السلطات.

ولئن كان القيادي في حزب “الاستقلال” ربط بين إدراج مشروع قانون الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي على جدول أعمال الحكومة بفتح لجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة باب استعماله طبياً، وتحيين مقترح القانون، الذي كان تقدم به فريقه في ديسمبر/كانون الأول 2013، إلا أن قراءات أخرى تظهر أن توقيت إخراج الحكومة للمشروع يثير أكثر من علامة استفهام حول إن كان تحركها مدفوعاً بدوافع انتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات.

ووفقاً لرئيس المرصد المغربي للمشاركة السياسية، جواد الشفدي، فإن السرعة التي تمت بها برمجة مشروع القانون في مجلس الوزراء، والأسباب والتداعيات التي دفعت إلى ذلك، تطرح علامات استفهام عدة “لاسيما ونحن في سنة انتخابية تلزم الجهازين التنفيذي والتشريعي بتركيز عملهما على الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”. ولفت، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إلى أن ضيق الزمن التشريعي لا يسمح في الوقت الراهن بمناقشة قوانين لاعلاقة لها بالانتخابات، كما أن حساسية موضوع القنب الهندي تستدعي مقاربة تشاركية، وتجنب السرعة القاتلة.

جواد الشفدي: حساسية موضوع القنب الهندي تستدعي مقاربة تشاركية

وأبدى الشفدي استغرابه من كون الحزب، الذي قاد معركة ضارية خلال الولاية التشريعية السابقة ضد مقترحات شبيهة، هو من يقود حالياً الائتلاف الحكومي الذي سيتدارس مشروع قانون “الكيف”. وقال “المجيء بهذا المشروع في الوقت الحالي غير مفهوم، وأخشى أن يكون استعماله ورقة انتخابية بيد بعض الأحزاب السياسية، في وقت كان مفيداً إطلاق النقاش حول المشروع بمقاربة تشاركية بعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”.

في السياق ذاته، رأى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إخراج مشروع القانون يأتي في سياق يتسم ببدء العد العكسي لمحطة الانتخابات المقبلة، ما قد يفهم منه أنه محاولة من الحكومة التي يقودها حزب “العدالة والتنمية” لاستمالة مناطق زراعة القنب الهندي من خلال مشروع القانون، الذي قد يشكل مقدمة لانفراج سياسي، عبر العفو عن المزارعين المعتقلين أو الملاحقين. وبحسب لزرق، فإن مشروع القانون قد يؤشر على تغيير طرأ على موقف الحزب، الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي، بعد أن كان واجه المقترحين، اللذين كان تقدم بهما في عهد حكومة عبد الإله بنكيران، “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”، لقوننة زراعة القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية، خوفاً من استثمارهما في انتخابات 2016. وربط بين تغير موقف “العدالة والتنمية” وبلورة مشروع القانون، بكون الأخير سيفتح له المجال للدخول إلى مناطق زراعة القنب الهندي شمال المغرب، وتوسيع كتلته الانتخابية.

لكن منسق “الائتلاف المغربي من أجل الاستعمال الطبي والصناعي للكيف”، شكيب الخياري، استبعد أن يكون طرح الحكومة، التي يقودها “العدالة والتنمية”، لمشروع القانون يهدف لتحقيق مآرب انتخابية. وأشار، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن النقاش الذي دار في 2014 حول عملية قوننة القنب الهندي كان يشير إلى أن الحزب سينخرط في النقاش، وإن بمقاربات مختلفة عن تلك التي كانت مطروحة حينها من قبل “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”. وبرأي الخياري، فإن مشروع القانون يأتي في سياق مسار استهلته الدولة المغربية في 2010 بإنجاز تجارب حول “الكيف الصناعي”، حيث تمت زراعته في أربع مناطق متباعدة جغرافياً، وهي بني ملال وصفرو وعلال التازي وأكادير، وذلك من طرف المعهد الوطني للبحث الزراعي ومختبر الأبحاث والتحاليل التقنية والعلمية التابع للدرك الملكي. ولفت إلى أنه تم التأكيد في مقدمة تقرير منجز بهذا الشأن أن هذه التجارب تتم في أفق قوننة زراعة “الكيف الصناعي”، في حين خلصت التجارب إلى أن النبتة تحترم معايير الاتحاد الأوروبي.

وبحسب الخياري، الذي يعد أحد أبرز المدافعين عن قوننة زراعة القنب الهندي بالمغرب واستخدامه في المجال الطبي، فإن مسار التوجه نحو القوننة كان لافتاً كذلك، من خلال إنجاز وكالة تنمية الأقاليم الشمالية (مؤسسة عامة) في 2010 لدراسة حول المداخيل التي يمكن أن تجلبها العملية لأغراض طبية وصناعية. وقال “مع طرح الحكومة الحالية لمشروع القانون، يبدو أن فكرة قوننة الكيف الصناعي قد نضجت الآن وحان قطافها، وإن تصادف ذلك مع أحداث عدة من قبيل الاستعداد للانتخابات، ودخول المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي واللجنة الخاصة للنموذج التنموي على خط النقاش، وما عاشته مدينة الفنيدق (شمال المغرب) من احتجاجات في الأسابيع الأخيرة”.

عرض المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق